محمد بن أحمد الفاسي
51
العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين
في أواخر سنة تسع وتسعين وسبعمائة ، ولم يقدر له الحج ، وجاور بمكة في سنة ثمانمائة حتى حج ، ودخل مع الحجاج الشاميين إلى دمشق ، فاستفاد بها شيوخا ، وأشياء من المرويات ، لم يكن استفادها قبل ذلك . وقدمت عليه إلى دمشق ، في صحبة الحافظ الحجة شهاب الدين بن حجر لما رحل إلى دمشق في رمضان سنة اثنتين وثمانمائة ، فأفادنا أشياء كثيرة من المرويات والشيوخ ، وقرأ لنا أشياء كثيرة ؛ لأن الحافظ شهاب الدين ، كان يشتغل بانتخاب أشياء مفيدة ، وكنت أنا وبه في القراءة ، وعاد معنا إلى مصر في أوائل سنة ثلاث وثمانمائة ، وترافقنا من مصر للسفر إلى مكة ، في وقت الحج ، من سنة أربع وثمانمائة ، فحج وجاور بمكة نحو سبع سنين متوالية ، غير أنه كان زار المدينة النبوية من مكة ثلاث مرات ، وزار الطائف مرة . ولما حج في سنة إحدى عشرة وثمانمائة ، توجه مع قافلة عقيل إلى الحسا والقطيف « 1 » ، لإلزام بعض أصحابه له بذلك ، ومضى من هناك إلى هرموز ، ثم إلى كنباية « 2 » من بلاد الهند ، ثم عاد إلى هرموز ، وصار يتردد منها إلى بلاد العجم للتجارة ، وحصل دنيا قليلة ، ثم ذهبت منه ، ولم يكتسب مثلها ، حتى مات . وكان ماهرا في معرفة المتأخرين والمرويات والعوالي ، مع بصارة في المتقدمين ومشاركة في الفقه والعربية ، ومعرفة حسنة للفرائض والحساب والشعر ، وله نظم كثير ، وتخاريج حسنة مفيدة ، خرج لنفسه أحاديث متباينة الإسناد والمتون ، زاد فيها على تسعين حديثا ، إلا أنه لم يشترط اتصال إسنادها بالسماع ، وراعيت أنا ذلك فيما خرجت لنفسي في هذا المعنى ، ويسر اللّه لي من ذلك أربعين حديثا ، بشرط اتصال السماع ، وغير ذلك من الشروط الحسنة . ومن تخاريجه أحاديث الفقهاء الشافعية ، وخرج معجما حسنا لقاضي مكة ، شيخنا جمال الدين بن ظهيرة ، ومشيخة لشيخنا القاضي مجد الدين إسماعيل الحنفي ، وخرج شيئا لشيخنا عبد الرحمن بن الشيخة ، ولغير واحد من شيوخه وأقرانه ، وكان حسن القراءة والكتابة والأخلاق ، ذا مروءة كثيرة وديانة ، وقد تبصر في الحديث كثيرا ، بشيخنا حافظ
--> ( 1 ) القطيف : هي مدينة بالبحرين هي اليوم قصبتها وأعظم مدنها . انظر : معجم البلدان 4 / 378 . ( 2 ) كنباية : مدينة بأرض الهند من مملكة بلهرى وهي على الخليج من البحر أعرض من النيل . انظر : الروض المعطار 496 ، ابن بطوطة 550 ، حدود العالم 88 ، نخبة الدهر 152 ، تقويم البلدان 356 .